فصل: تفسير الآية رقم (12)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


‏[‏سورة النمل‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏طس‏}‏ قرىء بالأمالة وعدمها، والكلام فيه كالكلام في نظائره من الفواتح‏.‏ ‏{‏تِلْكَ‏}‏ إشارة إلى السورة المذكورة، وأداة البعد للإشارة إلى بعد المنزلة في الفضل والشرف أو إلى الآيات التي تتلى بعد نظير الإشارة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الم ذلك الكتاب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 1، 2‏]‏ أو إلى مطلق الآيات، ومحله الرفع على الابتداء خبره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ءايات القرءان‏}‏ والجملة مستأنفة أو خبر لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏طس‏}‏ وإضافة ‏{‏ءايات‏}‏ إلى ‏{‏القرءان‏}‏ لتعظيم شأنها فإن المراد به المنزل المبارك المصدق لما بين يديه الموصوف بالكمالات التي لا نهاية لها، ويطلق على كل المنزل عليه صلى الله عليه وسلم للإعجاز وعلى بعض منه، وجوز هنا إرادة كل من المعنيين وإذا أريد الثاني فالمراد بالبعض جميع المنزل عند نزول السورة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكتاب مُّبِينٌ‏}‏ عطف على ‏{‏القرءان‏}‏ والمراد به القرآن وعطفه عليه مع اتحاده معه في الصدق كعطف إحدى الصفتين على الأخرى كما في قولهم‏:‏ هذا فعل السخي والجواد الكريم، وتنوينه للتفخيم، و‏{‏المبين‏}‏ إما من أبان المتعدي أي مظهر ما في تضاعيفه من الحكم والأحكام وأحوال القرون الأولى وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب أو سبيل الرشد والغي أو نحو ذلك، والمشهور في أمثال هذا الحذف أنه يفيد العموم، وأما من أبان اللازم بمعنى بأن أي ظاهر الإعجاز أو ظاهر الصحة للإعجاز وهو على الاحتمالين صفة مادحة لكتاب مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة‏.‏

ولما كان في التنكير نوع من الفخامة وفي التعريف نوع آخر وكان الغرض الجمع للاستيعاب الكامل عرف القرآن ونكر الكتاب وعكس في الحجر، وقدم المعرف في الموضعين لزيادة التنويه، ولما عقبه سبحانه بالحديث عن الخصوص ههنا قدم كونه قرآناً لأنه أدل على خصوص المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز كذا في «الكشف»‏.‏

وقال بعض الأجلة‏:‏ قدم الوصف الأول ههنا نظراً إلى حال تقدم القرآنية على حال الكتابية وعكس هنالك لأن المراد تفخيمه من حيث اشتماله على كمال جنس الكتب الإلهية حتى كأنه كلها ومن حيث كونه ممتازاً عن غيره نسيج وحده بديعاً في بابه والإشارة إلى امتيازه عن سائر الكتب بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيره من الكتب أدخل في المدح لئلا يتوهم من أول الأمر أن امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصة به من غير اشتماله على نعوت كمال سائر الكتب الكريمة، وفي هذا حمل أل على الجنس في الكتاب‏.‏

والظاهر أنها في ‏{‏القرءان‏}‏ للعهد فيختلف معناها في الموضعين وإليه يشير ظاهر كلام الكشاف كما قيل، واعتذر له بأنه إذا رجع المعنيان إلى التفخيم فلا بأس بمثل هذا الاختلاف، وجوز أن تكون في الموضعين للعهد وأن تكون فيهما للجنس فتأمل، وقيل‏:‏ إن اختصاص كل من الموضعين بما اختص به من تعيين الطريق‏.‏

وجوز أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة فهو يبينه للناظرين فيه، وتأخيره هنا عن القرآن باعتبار تعلق علمنا به وتقديمه في الحجر عليه باعتبار الوجود الخارجي فإن القرآن بمعنى المقروء لنا مؤخر عن اللوح المحفوظ ولا يخفى أن إرادة غير اللوح من الكتاب أظهر‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لا يساعد إرادة اللوح منه ههنا إضافة الآيات إليه إذ لا عهد باشتماله على الآيات ولا وصفه بالهداية والبشارة إذ هما باعتبار إبانته فلا بد من اعتبارها بالنسبة إلى الناس الذين من جملتهم المؤمنون لا إلى الناظرين فيه‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة ‏{‏وكتاب مُّبِينٌ‏}‏ برفعهما، وخرج على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وآيات كتاب، وقيل‏:‏ يجوز عدم اعتبار الحذف والكتاب لكونه مصدراً في الأصل يجوز الإخبار به عن المؤنث، وقيل‏:‏ رب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً ألا ترى أنهم حظروا جاءتني زيد وأجازوا جاءتني هند وزيد، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏هُدًى وبشرى‏}‏ في حيز النصب على الحالية من ‏{‏ءايات‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 1‏]‏ على إقامة المصدر مقام الفاعل فيه للمبالغة كأنها نفس الهدى والبشارة، والعامل معنى الإشارة وهو الذي سمته النحاة عاملاً معنوياً‏.‏

وجوز أبو البقاء على قراءة الرفع في ‏{‏كِتَابٌ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 1‏]‏ كون الحال منه ثم قال‏:‏ ويضعف أن يكون من المجرور ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 1‏]‏ على القراءتين، وجوز أبو حيان كون النصب على المصدرية أي تهدي هدى وتبشر بشرى أو الرفع على البدلية من ‏{‏ءايات‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 1‏]‏ واشتراط الكوفيين في إبدال النكرة من المعرفة شرطين اتحاد اللفظ وأن تكون النكرة موصوفة نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَنَسْفَعاً بالناصية نَاصِيَةٍ كاذبة‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 15، 16‏]‏ غير صحيح كما في شرح التسهيل لشهادة السماع بخلافه أو على أنه خبر بعد خبر لتلك أو خبر لمبتدأ محذوف أي هي هدى وبشرى ‏{‏لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ يحتمل أن يكون قيداً للهدى والبشرى معاً، ومعنى هداية الآيات لهم وهم مهتدون أنها تزيدهم هدى قال سبحانه‏:‏ ‏{‏فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 124‏]‏ وأما معنى تبشيرها إياهم فظاهر لأنها تبشرهم برحمة من الله تعالى ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم كذا قيل، وفي «الحواشي الشهابية» أن الهدى على هذا الاحتمال، إما بمعنى الاهتداء أو على ظاهره وتخصيص المؤمنين لأنهم المنتفعون به وإن كانت هدايتها عامة، وجعل المؤمنين بمعنى الصائرين للإيمان تكلف كحمل هداهم على زيادته، ويحتمل أن يكون قيداً للبشرى فقط ويبقى الهدى على العموم وهو بمعنى الدلالة والإرشاد أي هدى لجميع المكلفين وبشرى للمؤمنين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة‏}‏ صفة مادحة للمؤمنين، وكنى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة عن عمل الصالحات مطلقاً، وخصا لأنهما على ما قيل أما العبادة البدنية والمالية، والظاهر أنه حمل الزكاة على الزكاة المفروضة‏.‏

وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة، وقيل كان في مكة زكاة مفروضة إلا أنها لم تكن كالزكاة المفروضة بالمدينة فلتحمل في الآية عليها، وقيل‏:‏ الزكاة هنا بمعنى الطهارة من النقائص وملازمة مكارم الأخلاق وهو خلاف المشهور في الزكاة المقرونة بالصلاة ويبعده تعليق الإيتاء بها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُم بالاخرة يُوقِنُونَ‏}‏ يحتمل أن يكون معطوفاً على جملة الصلة، ويحتمل أن يكون في موضع الحال من ضمير الموصول، ويحتمل أن يكون استئنافاً جىء به للقصد إلى تأكيد ما وصف المؤمنون به من حيث أن الإيقان بالآخرة يستلزم الخوف المستلزم لتحمل مشاق التكليف فلا بد من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقد أقيم الضمير فيه مقام اسم الإشارة المفيد لاكتساب الخلافة بالحكم باعتبار السوابق فكأنه قيل‏:‏ وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، وسمي الزمخشري هذا الاستئناف اعتراضاً وكونه لا يكون إلا بين شيئين يتعلق أحدهما بالآخر كالمبتدأ والخبر غير مسلم عنده‏.‏

واختار هذا الاحتمال فقال‏:‏ إنه الوجه ويدل عليه أنه عقد الكلام جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو ‏{‏هُمْ‏}‏ حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق انتهى‏.‏ وأنكر ابن المنير إفادة نحو هذا التركيب الاختصاص وادعى أن تكرار الضمير للتطرية لمكان الفصل بين الضميرين بالجار والمجرور، والحق أنه يفيد ذلك كما صرحوا به في نحو هو عرف، وكذا يفيد التأكيد لما فيه من تكرار الضمير‏.‏

وزعم أبو حيان أن فيما ذكره الزمخشري دسيسة الاعتزال، ولا يخفى أنه ليس في كلامه أكثر من الإشارة إلى أن المؤمن العاصي لم يوقن بالآخرة حق الإيقان، ولعل جعل ذلك دسيسة مبني على أنه بنى ذلك على مذهبه في أصحاب الكبائر وقوله فيهم بالمنزلة بين المنزلتين‏.‏ وأنت تعلم أن القول بما اختاره في الآية لا يتوقف على القول المذكور؛ وتغيير النظم الكريم على الوجهين الأولين لما لا يخفى، وتقديم ‏{‏بالاخرة‏}‏ في جميع الأوجه لرعاية الفاصلة، وجوز أن يكون للحصر الإضافة كما في «الحواشي الشهابية»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة‏}‏ بيان لأحوال الكفرة بعد أحوال المؤمنين أي لا يؤمنون بها وبما فيها من الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب على الأعمال السيئة حسبما ينطق به القرآن ‏{‏زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم‏}‏ القبيحة بما ركبنا فيهم من الشهوات والأماني حتى رأوها حسنة ‏{‏فَهُمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ يتحيرون ويترددون والاستمرار في الاشتغال بها والانهماك فيها من غير ملاحظة لما يتبعها‏.‏ والفاء لترتيب المسبب على السبب‏.‏ ونسبة التزيين إليه عز وجل عند الجماعة حقيقة وكذا التزيين نفسه، وذهب الزمخشري إلى أن التزيين إما مستعار للتمتيع بطول العمر وسعة الرزق وإما حقيقة وإسناده إليه سبحانه وتعالى مجاز وهو حقيقة للشيطان كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 48‏]‏‏.‏

والمصحح لهذا المجاز إمهاله تعالى الشيطان وتخليته حتى يزين لهم، والداعي له إلى أحد الأمرين إيجاب رعاية الأصلح عليه عز وجل‏.‏ ونسب إلى الحسن أن المراد بالأعمال الأعمال الحسنة وتزيينها بيان حسنها في أنفسها حالاً واستتباعها لفنون المنافع مآلاً أي زينا لهم الأعمال الحسنة فهم يترددون في الضلال والإعراض عنها‏.‏

والفاء عليه لترتيب ضد المسبب على السبب كما في قولك‏:‏ وعظته فلم يتعظ، وفيه إيذان بكمال عتوهم ومكابرتهم وتعكيسهم الأمور، وتعقب هذا القول بأن التزيين قد ورد غالباً في غير الخير نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 14‏]‏ ‏{‏زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 212‏]‏ ‏{‏زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 137‏]‏ الخ ووروده في الخير قليل نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 7‏]‏ ويبعد حمل الأعمال على الأعمال الحسنة إضافتها إلى ضميرهم وهم لم يعملوا حسنة أصلاً‏.‏ وكون إضافتها إلى ذلك باعتبار أمرهم بها، وإيجابها عليهم لا يدفع البعد‏.‏

وذكر الطيبي أنه يؤيد ما ذكر أولاً أن وزان فاتحة هذه السورة إلى ههنا وزان فاتحة البقرة فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 4‏]‏ كقوله جل وعلا‏:‏ ‏{‏خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ‏}‏ ‏(‏البقرة؛ 7‏)‏‏}‏‏.‏

وقد سبق بيان وجه دلالة ذلك على مذهب الجماعة هناك وأن التركيب من باب تحقيق الخبر وأن المعنى استمرارهم على الكفر وأنهم بحيث لا يتوقع منهم الإيمان ساعة فساعة أمارة لرقم الشقاء عليهم في الأزل والختم على قلوبهم وأنه تعالى زين لهم سوء أعمالهم فهم لذلك في تيه الضلال يترددون وفي بيداء الكفر يعمهون، ودل على هذا التأويل إيقاع لفظ المضارع في صلة الموصول والماضي في خبره وترتيب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَهُمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ بالفاء عليه، واختصاص الخطاب بما يدل على الكبرياء والجبروت من باب تحقيق الخبر نحو قول الشاعر‏:‏

إن التي ضربت بيتاً مهاجرة *** بكوفة الجند غالت ودها غول

وفي الأخبار الصحيحة ما ينصر هذا التأويل أيضاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏أولئك‏}‏ إشارة إلى المذكورين الموصوفين بالكفر والعمه وهو مبتدأ خبره ‏{‏الذين لَهُمْ سُوء العذاب‏}‏ يحتمل أن يكون المراد لهم ذلك في الدنيا بأن يقتلوا أو يؤسروا أو تشدد عليهم سكرات الموت لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ فِى الاخرة هُمُ الاخسرون‏}‏ ويحتمل أن يكون المراد لهم ذلك في الدارين وهو الذي استظهره أبو حيان ويكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ‏}‏ الخ لبيان أن ما في الآخرة أعظم العذابين بناءً على أن ‏{‏الاخسرين‏}‏ أفعل تفضيل، والتفضيل باعتبار حاليهم في الدارين أي هم في الآخرة أخسر منهم في الدنيا لا غيرهم كما يدل عليه تعريف الجزأين على معنى أن خسرانهم في الآخرة أعظم من خسرانهم في الدنيا من حيث أن عذابهم في الآخرة غير منقطع أصلاً وعذابهم في الدنيا منقطع ولا كذلك غيرهم من عصاة المؤمنين لأن خسرانهم في الآخرة ليس أعظم من خسرانهم في الدنيا من هذه الحيثية فإن عذابهم في الآخرة ينقطع ويعقبه نعيم الأبد حتى يكادوا لا يخطر ببالهم أنهم عذبوا كذا قيل‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إن التفضيل باعتبار ما في الآخرة أي هم في الآخرة أشد الناس خسراناً لا غيرهم لحرمانهم الثواب واستمرارهم في العقاب بخلاف عصاة المؤمنين، ويلزم من ذلك كون عذابهم في الآخرة أعظم من عذابهم في الدنيا ويكفي هذا في البيان، وقال الكرماني‏:‏ إن أفعل هنا للمبالغة لا للشركة، قال أبو حيان‏:‏ كأنه يقول‏:‏ ليس للمؤمن خسران البتة حتى يشركه فيه الكافر ويزيد عليه ولم يتفظن لكون المراد أن خسران الكافر في الآخرة أشد من خسرانه في الدنيا فالاشتراك الذي يدل عليه أفعل إنما هو بين ما في الآخرة وما في الدنيا اه كلامه‏.‏ وكأنه يسلم أن ليس للمؤمن خسران البتة وفيه بحث لا يخفى، وتقديم ‏{‏فِى الاخرة‏}‏ إما للفاصلة أو للحصر، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان‏}‏ كلام مستأنف سيق بعد بيان بعض شؤون القرآن الكريم تمهيداً لما يعقبه من الأقاصيص، وتصديره بحرفي التأكيد لإبراز كمال العناية بمضمونه وبني الفعل للمفعول وحذف الفاعل وهو جبريل عليه السلام للدلالة عليه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَزَلَ بِهِ الروح الامين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 193‏]‏ ولقى المخفف يتعدى لواحد والمضاعف يتعدى لاثنين وهما هنا نائب الفاعل والقرآن، والمراد وإنك لتعطي القرآن تلقنه ‏{‏مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ‏}‏ أي أي حكيم وأي عليم، وفي تفخيمهما تفخيم لشأن القرآن وتنصيص على علو طبقته عليه الصلاة والسلام في معرفته والإحاطة بما فيه من الجلائل والدقائق، والحكمة كما قال الراغب من الله عز وجل معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الأحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات وجمع بينهما وبين العلم مع أنه داخل في معناها لغة كما سمعت لعمومه إذ هو يتعلق بالمعدومات ويكون بلا عمل ودلالة الحكمة على أحكام العمل وإتقانه وللإشعار بأن ما في القرآن من العلوم منها ما هو حكمة كالشرائع ومنها ما هو ليس كذلك كالقصص والأخبار الغيبية‏.‏

‏[‏بم وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ قَالَ موسى لاِهْلِهِ‏}‏ منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بتلاوة بعض من القرآن الذي تلقاه صلى الله عليه وسلم من لدنه عز وجل تقريراً لما قبله وتحقيقاً له أي اذكر لهم وقت قول موسى عليه السلام لأهله، وجوز أن تكون ‏{‏إِذْ‏}‏ ظرفاً لعليم‏.‏ وتعقبه في «البحر» بأن ذلك ليس بواضح إذ يصير الوصف مقيداً بالمعمول، وقال في «الكشف»‏:‏ ما يتوهم من دخل التقييد بوقت معين مندفع إذ ليس مفهوماً معتبراً عند المعتبر ولأنه لما كان تمهيد القصة حسن أن يكون قيداً لها كأنه قيل‏:‏ ما أعلمه حيث فعل بموسى عليه السلام ما فعل، ولما كان ذلك من دلائل العلم والحكمة على الإطلاق لم يضر التقييد بل نفع لرجوعه بالحقيقة إلى نوع من التعليل والتذكيرا ه‏.‏ ولا يخفى أن الظاهر مع هذا هو الوجه الأول ثم إن قول موسى عليه السلام ‏{‏إِنّى ءانَسْتُ نَاراً إِذْ قَالَ موسى‏}‏ كان في أثناء سيره خارجاً من مدين عند وادي طوى وكان عليه السلام قد حاد عن الطريق في ليلة باردة مظلمة فقدح فاصلد زنده فبدا له من جانب الطور نار، والمراد بالخبر الذي يأتيهم به من جهة النار الخبر عن حال الطريق لأن من يذهب لضوء نار على الطريق يكون كذلك؛ ولم يجرد الفعل عن السين إما للدلالة على بعد مسافة النار في الجملة حتى لا يستوحشوا إن أبطأ عليه السلام عنهم أو لتأكيد الوعد بالإتيان فإنها كما ذكره الزمخشري تدخل في الوعد لتأكيده وبيان أنه كائن لا محالة وإن تأخر، وما قيل من أن السين للدلالة على تقريب المدة دفعاً للاستيحاش إنما ينفع على ما قيل في اختياره على سوف دون التجريد الذي يتبادر من الفعل معه الحال الذي هو أتم في دفع الاستيحاش‏.‏

ولعل الأولى اعتبار كونه للتأكيد، لا يقال‏:‏ إنه عليه السلام لم يتكلم بالعربية وما ذكر من مباحثها لأنا نقول‏:‏ ما المانع من أن يكون في غير اللغة العربية ما يؤدي مؤداها بل حكاية القول عنه عليه السلام بهذه الألفاظ يقتضي أنه تكلم في لغته بما يؤدي ذلك ولا بد، وجمع الضمير إن صح أنه لم يكن معه عليه السلام غير امرأته للتعظيم وهو الوجه في تسمية الله تعالى شأنه امرأة موسى عليه السلام بالأهل مع أنه جماعة الأتباع ‏{‏أَوْ ءاتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ‏}‏ أي بشعلة نار مقبوسة أي مأخوذة من أصلها فقبس صفة شهاب أو بدل منه، وهذه قراءة الكوفيين‏.‏ ويعقوب، وقرأ باقي السبعة‏.‏ والحسن ‏{‏بِشِهَابٍ قَبَسٍ‏}‏ بازضافة واختارها أبو الحسن وهي إضافة بيانية لما بينهما من العموم والخصوص كما في ثوب خز فإن الشهاب يكون قبساً وغير قبس، والعدتان على سبيل الظن ولذلك عبر عنهما بصيغة الترجي في سورة طه فلا تدافع بين ما وقع هنا وما وقع هناك، والترديد للدلالة على أنه عليه السلام إن لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما بناءً على ظاهر الأمر وثقة بسنة الله عز وجل أنه لا يكاد يجمع حرمانين على عبده‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز أن يقال الترديد لأن احتياجه عليه السلام إلى أحدهما لا لهما لأنه كان في حال الترحال وقد ضل عن الطريق فمقصوده أن يجد أحداً يهدي إلى الطريق فيستمر في سفره فإن لم يجده يقتبس ناراً ويوقدها ويدفع ضرر البرد في الإقامة‏.‏

وتعقب بأنه قد ورد في القصة أنه عليه السلام كان قد ولد له عند الطور ابن في ليلة شاتية وظلمة مثلجة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته فرأى النار فقال لأهله ما قال وهو يدل على احتياجه لهما معاً لكنه تحرى عليه السلام الصدق فأتى بأو ‏{‏لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏}‏ أي رجاءً أو لأجل أن تستدفئوا بها، والصلاء بكسر الصاد والمد ويفتح بالقصر الدنو من النار لتسخين البدن وهو الدفؤ ويطلق على النار نفسها أو هو بالكسر الدفؤ وبالفتح النار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءهَا‏}‏ أي النار التي قال فيها ‏{‏إِنّى ءانَسْتُ نَاراً‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 7‏]‏ وقيل‏:‏ الضمير للشجرة وهو كما ترى، وما ظنه داعياً ليس بداع لما أشرنا إليه ‏{‏نُودِىَ‏}‏ أي موسى عليه السلام من جانب الطور ‏{‏أَن بُورِكَ‏}‏ معناه أي بورك على أن ان مفسرة لما في النداء من معنى القول دون حروفه‏.‏

وجوز أن تكون أن المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، ومنعه بعضهم لعدم الفصل بينها وبين الفعل بقد أو السين أو سوف أو حرف النفي وهو مما لا بد منه إذا كانت مخففة لما في الحجة لأبي علي الفارسي أنها لما كانت لا يليها إلا اوسماء استقبحوا أن يليها الفعل من غير فاصل‏.‏ وأجيب بأن ما ذكر ليس على إطلاقه‏.‏ فقد صرحوا بعدم اشتراط الفصل في مواضع، منها ما يكون الفعل فيه دعاء فلعل من جوز كونها المخففة ههنا جعل ‏{‏بُورِكَ‏}‏ دعاء على أنه يجوز أن يدعي أن الفصل بإحدى المذكورات في غير ما استثنى أغلبي لقوله‏:‏

علموا أن يؤملون فجادوا *** قبل أن يسألوا بأعظم سؤل

وجوز أن تكون المصدرية الناصبة للأفعال و‏{‏بُورِكَ‏}‏ حينئذٍ إما خبر أو إنشاء للدعاء‏.‏ وادعى الرضى أن بورك إذا جعل دعاء فإن مفسرة لا غير لأن المخففة لا يقع بعدها فعل إنشائي إجماعاً وكذا المصدرية وهو مخالف لما ذكره النحاة، ودعوى الإجماع ليست بصحيحة، والقول بأنه يفوت معنى الطلب بعد التأويل بالمصدر قد تقدم ما فيه، وفي «الكشف» يمنع عن جعلها مصدرية عدم سداد المعنى لأن ‏{‏بُورِكَ‏}‏ إذ ذاك ليس يصلح بشارة وقد قالوا‏:‏ إن تصدير الخطاب بذلك بشارة لموسى عليه السلام بأنه قد قضي له أمر عظيم تنتشر منه في أرض الشأم كلها البركة وهذا بخلاف ما إذا كان ‏{‏بُورِكَ‏}‏ تفسيراً للشأن اه وفيه نظر، وعلى الوجهين الكلام على حذف حرف الجر أي نودي بأن الخ، والجار والمجرور متعلق بما عنده وليس نائب الفاعل بل نائب الفاعل ضمير موسى عليه السلام، وقيل‏:‏ هو نائب الفاعل ولا ضمير‏.‏

وقال بعضهم في الوجه الأول أيضاً إن الضمير القائم مقام الفاعل ليس لموسى عليه السلام بل هو لمصدر الفعل أي نودي هو أي النداء، وفسر النداء بما بعده، واوظهر في الضمير رجوعه لموسى وفي أن أنها مفسرة وفي ‏{‏بُورِكَ‏}‏ أنه خبر وهو من البركة وقد تقدم معناها، وقيل‏:‏ هنا المعنى قدس وظهر وزيد خيراً ‏{‏مَن فِى النار وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ ذهب جماعة إلى أن في الكلام مضافاً مقدراً في موضعين أي من في مكان النار ومن حول مكانها قالوا‏:‏ ومكانها البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى‏:‏

‏{‏نُودِىَ مِن شَاطِىء الوادى الايمن فِى البقعة المباركة‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 30‏]‏ وتدل على ذلك قراءة أبي ‏{‏أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا‏}‏ واستظهر عموم من لكل ‏{‏مِنْ‏}‏ في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشام الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء عليهم السلام وكفاتهم أحياءاً وأمواتاً ولا سيما تلك البقعة التي كلم الله تعالى موسى عليه السلام فيها‏.‏

وقيل‏:‏ من في النار موسى عليه السلام ومن حولها الملائكة الحاضرون عليهم السلام، وأيد بقراءة أبي فيما نقل أبو عمرو الداني‏.‏ وابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏ وعكرمة ‏{‏وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الملئكة‏}‏ وهي عند كثير تفسير لا قراءة لمخالفتها سواد المصحف المجمع عليه، وقيل‏:‏ الأول الملائكة والثاني موسى عليهم السلام، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجعل الظرفية مجازاً عن القرب التام، وذهب إلى القول الثاني في المراد بالموصولين، وأياً ما كان فالمراد بذلك بشارة موسى عليه السلام، والمراد بقوله تعالى على ما قيل‏:‏ ‏{‏وسبحان الله رَبّ العالمين‏}‏ تعجيب له عليه السلام من ذلك وإيذان بأن ذلك مريده ومكونه رب العالمين تنبيهاً على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون، ومن أحكام تربيته تعالى للعالمين أو خبر له عليه السلام بتنزيهه سبحانه لئلا يتوهم من سماع كلامه تعالى التشبيه بما للبشر أو طلب منه عليه السلام لذلك‏.‏

وجوز أن يكون تعجيباً صادراً منه عليه السلام بتقدير القول أي وقال سبحان الله الخ، وقال السدي‏:‏ هو من كلام موسى عليه السلام قاله لما سمع النداء من الشجرة تنزيهاً لله تعالى عن سمات المحدثين، وكأنه على تقدير القول أيضاً، وجعل المقدر عطفاً على ‏{‏نُودِىَ‏}‏‏.‏ وقال ابن شجرة‏:‏ هو من كلام الله تعالى ومعناه وبورك من سبح الله تعالى رب العالمين» وهذا بعيد من دلالة اللفظ جداً، وقيل‏:‏ هو خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم مراد به التنزيه وجعل معترضاً بين ما تقدم وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏العالمين ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم‏}‏ فإنه متصل معنى بذلك والضمير للشأن، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَنَا الله‏}‏ مبتدأ وخبر و‏{‏العزيز الحكيم‏}‏ نعتان للاسم الجليل ممهدتان لما أريد إظهاره على يده من المعجزة أي أنا الله القوي القادر على ما لا تناله الأوهام من الأمور العظام التي من جملتها أمر العصا واليد الفاعل كل ما أفعله بحكمة بالغة وتدبير رصين، والجملة خبران مفسرة لضمير الشأن‏.‏

وجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى ما دل عليه الكلام وهو المكلم المنادي و‏{‏أَنَاْ‏}‏ خبر أي إن مكلمك المنادي لك أنا، والاسم الجليل عطف بيان لأنا، وتجوز البدلية عند من جوز إبدال الظاهر من ضمير المتكلم بدل كل، ويجوز أن يكون ‏{‏أَنَاْ‏}‏ توكيداً للضمير و‏{‏الله‏}‏ الخبر‏.‏ وتعقب أبو حيان إرجاع الضمير للمكلم المنادي بأنه إذا حذف الفاعل وبنى فعله للمفعول لا يجوز عود ضمير على ذلك المحذوف لأنه نقض للغرض من حذفه والعزم على أن لا يكون محدثاً عنه، وفيه أنه لم يقل أحد أنه عائد على الفاعل المحذوف بل على ما دل عليه الكلام ولو سلم فلا امتناع في ذلك إذا كان في جملة أخرى؛ وأيضاً قوله والعزم على أن لا يكون محدثاً عنه غير صحيح لأنه قد يكو محدثاً عنه ويحذف للعلم به وعدم الحاجة إلى ذكره، ثم إن الحمل مفيد من غير رؤية لأنه عليه السلام علمه سبحانه علم اليقين بما وقر في قلبه فكاأنه رآه عز وجل، هذا وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِى النار‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 8‏]‏ الخ أقوال أخر، الأول‏:‏ أن المراد بمن في النار نور الله تعالى وبمن حولها الملائكة عليهم السلام وروى ذلك عن قتادة‏.‏ والزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ أن المراد بمن في النار الشجرة التي جعلها الله محلاً للكلام وبمن حولها الملائكة عليهم السلام أيضاً ونقل هذا عن الجبائي وفي ما ذكر إطلاق ‏{‏مِنْ‏}‏ على غير العالم‏.‏

والثالث‏:‏ ما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس‏.‏ قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن بُورِكَ مَن فِى النار‏}‏ يعني تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها يعني الملائكة عليهم السلام، واشتهر عنه كون المراد بمن في النار نفسه تعالى وهو مروي أيضاً عن الحسن‏.‏ وابن جبير‏.‏ وغيرهما كما في «البحر»‏.‏ وتعقب ذلك الإمام بأنا نقطع بأن هذه الرواية عن ابن عباس موضوعة مختلقة‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ إذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول حذف أي بورك من قدرته وسلطانه في النار، وذهب الشيخ إبراهيم الكوراني في رسالته تنبيه العقول على تنزيه الصوفية عن اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول إلى صحة الخبر عن الحبر رضي الله تعالى عنه وعدم احتياجه إلى التأويل المذكور فإن الذي دعا المؤولين أو الحاكمين بالوضع إلى التأويل أو الحكم بالوضع ظن دلالته على الحلو المستحيل عليه تعالى وليس كذلك بل ما يدل عليه هو ظهوره سبحانه في النار وتجليه فيها وليس ذلك من الحلو في شيء فإن كون الشيء مجلي لشيء ليس كونه محلاً له فإن الظاهر في المرآة مثلاً خارج عن المرآة بذاته قطعاً بخلاف الحال في محل فإنه حاصل فيه ثم إن تجليه تعالى وظهوره في المظاهر يجامع التنزيه‏.‏

ومعنى الآية عنده فلما جاءها نودي أن بورك أي قدس أي نحو ذلك من تجلي وظهر في صورة النار لما اقتضته الحكمة لكونها مطلوبة لموسى عليه السلام ومن حولها من الملائكة أو منهم ومن موسى عليهم السلام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسبحان الله‏}‏ دفع لما يتوهمه التجلي في مظهر النار من التشبيه أي وسبحان الله عن التقيد بالصورة والمكان والجهة وإن ظهر فيها بمقتضى الحكمة لكونه موصوفاً بصفة رب العالمين الواسع القدوس الغني عن العالمين ومن هو هو كذلك لا يتقيد بشيء من صفات المحدثات بل هو جل وعلا باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق في حال تجليه وظهوره فيما شاء من المظاهر‏.‏

ولهذا ورد في الحديث الصحيح «سبحانك حيث كنت» فأثبت له تعالى التجلي في الحيث ونزهه عن أن يتقيد بذلك «يا موسى» إنه أي المنادي المتجلي في النار ‏{‏أَنَا الله العزيز‏}‏ فلا أتقيد بمظهر للعزة الذاتية لكني الحكيم ومقتضى الحكمة الظهور في صورة مطلوبك‏.‏ وذكر أن تقدير المضاف كما فعل بعض المفسرين عدول عن الظاهر لظن المحذور فيه‏.‏ وقد تبين أن لا محذور فلا حاجة إلى العدول انتهى، وكأني بك تقول‏:‏ هذا طور ما وراء طور العقول‏.‏ ثم إنه لا مانع على أصول الصوفية أن يريدوا بمن حولها الله عز وجل أيضاً إذ ليس في الدار عندهم غيره سبحانه ديار‏.‏ ولا بعد في أن تكون الآية عند ابن عباس إن صح عنه ما ذكر من المتشابه والمذاهب فيه معلومة عندك‏.‏ والأوفق بالعامة التأويل بأن يقال‏:‏ المراد أن بورك من ظهر نوره في النار‏.‏

ولعل في خبر الحبر السابق ما يشير إليه‏.‏ وإضافة النور إليه تعالى لتشريف المضاف وهو نور خاص كان مظهراً لعظيم قدرته تعالى وعظمته‏.‏ وسمعت من بعض أجلة المشايخ يقول‏:‏ إن هذا النور لم يكن عيناً ولا غيراً على نحو قول الأشعري في صفاته عز وجل الذاتية وهو أيضاً، منزع صوفي يرجع بالآخرة إلى حديث التجلي والظهور كما لا يخفى فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَلْقِ عَصَاكَ‏}‏ عطف على ‏{‏بُورِكَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 8‏]‏ منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن الق عصاك‏.‏ ويدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ‏}‏ بعد قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَن ياموسى إِنّى أَنَا الله‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 30، 31‏]‏ بتكرير أن فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً وهذا ما اختاره الزمخشري‏.‏ وأورد عليه أن تجديد النداء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَدِيثُ موسى‏}‏ الخ يأباه‏.‏ ورد بأنه ليس بتجديد نداء لأنه من جملة تفسير النداء المذكور، وقيل‏:‏ لا يأباه لأنه جملة معترضة وفيه بحث، واعترض أيضاً بأن ‏{‏بُورِكَ‏}‏ أخبار ‏{‏وَأَلْقِ‏}‏ إنشاء ولا يعطف الإنشاء على الاخبار، ومن هنا قيل؛ إن العطف على ذلك بتقدير وقيل له‏:‏ الق أو العطف على مقدر أي افعل ما آمرك والق، وفيه إنه في مثل هذا يجوز عطف الإنشاء على الأخبار لكون النداء في معنى القول بل أجاز سيبويه جاء زيد ومن عمر بالعطف‏.‏

ولا يرد هذا أصلاً على من يجعل ‏{‏بُورِكَ‏}‏ إنشاء، ويرد على من جعل العف على أفعل محذوفاً أن الظاهر حينئذ فألق بالفاء، واختار أبو حيان كون العطف على جملة ‏{‏إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 9‏]‏ ولم يبال باختلاف الجملتين اسمية وفعلية وإخبارية وإنشائية لما ذكر أن الصحيح عدم اشتراط تناسب الجملتين المتعاطفتين في ذلك لما سمعت آنفاً عن سيبويه، والفاء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ‏}‏ فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل‏:‏ فألقاها فانقلبت حية فلما أبصرها تتحرك بشدة اضطراب، وجملة ‏{‏تَهْتَزُّ‏}‏ في موضع الحال من مفعول رأى فإنها بصرية كما أشرنا إليه لا علمية كما قيل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهَا جَانٌّ‏}‏ في موضع حال أخرى منه ألأ هو حال من ضمير ‏{‏تَهْتَزُّ‏}‏ على طريقة التداخل، والجان الحية الصغيرة السريعة الحركة شبهها سبحانه في شدة حركتها واضطرابها مع عظم جثتها بصغار الحيات السريعة الحركة فلا ينافي هذا قوله تعالى في موضع آخر‏:‏ ‏{‏فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 107‏]‏‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز أن يكون الأخبار عنها بصفات مختلفة باعتبار تنقلها فيها، وقرأ الحسن‏.‏ والزهري‏.‏ وعمرو بن عبيد‏:‏ ‏{‏جَانٌّ‏}‏ بهمزة مفتوحة هرباً من التقاء الساكنين وإن كان على حده كما قيل‏:‏ دأبة وشأبة‏.‏

‏{‏ولى مُدْبِراً‏}‏ أي انهزم ‏{‏وَلَمْ يُعَقّبْ‏}‏ أي ولم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار قال الشاعر‏:‏

فما عقبوا إذ قيل هل من معقب *** ولا نزلوا يوم الكريهة منزلاً

وهذا مروى عن مجاهد، وقريب منه قول قتادة‏:‏ أي لم يلتفت وهو الذي ذكره الراغب، وكان ذلك منه عليه السلام لخوف لحقه، قيل‏:‏ لمقتضى البشرية فإن الإنسان إذا رأى أمراً هائلاً جداً يخاد طبعاً ألأ لما أنه ظن أن ذلك لأمر أريد وقوعه به، ويدل على ذلك قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ‏}‏ أي من غيري أي مخلوق كان حية أو غيرها ثقة بي واعتماداً على أو لا تخف مطلقاً على تنزيل الفعل منزلة اللازم، وهذا إما لمجرد الإيناس دون أرادة حقيقة النهي وإما للنهي عن منشأ الخوف وهو الظن الذي سمعته، وقوله تعالى‏:‏

‏{‏إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون‏}‏ تعليل للنهي عن الخوف، وهو على ما قيل يؤيد أن الخوف كان للظن المذكور وأن المراد ‏{‏لاَ تَخَفْ‏}‏ مطلقاً، والمراد من ‏{‏لدى‏}‏ في حضرة القرب مني وذلك حين الوحي‏.‏

والمعنى أن الشأن لا ينبغي للمرسلين أن يخافوا حين الوحي إليهم بل لا يخطر ببالهم الخوف وإن وجد ما يخاف منه لفرط استغراقهم إلى تلقي الأوامر وانجذاب أرواحهم إلى عالم الملكوت، والتقييد بلدى لأن المرسلين في سائر الأحيان أخوف الناس من الله عز وجل فقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 28‏]‏ ولا أعلم منهم بالله تعالى شأنه، وقيل‏:‏ المعنى لا تخف من غيري أو لا تخف مطلقاً فإن الذي ينبغي أن يخاف منه أمثالك المرسلون إنما هو سوء العاقبة وأن الشأن لا يكون للمرسلين عندي سوء عاقبة ليخافوا منه‏.‏

والمراد بسوء العاقبة ما في الآخرة لا ما في الدنيا لئلا يرد قتل بعض المرسلين عليهم الصلاة والسلام، والمراد بلدي على ما قال الخفاجي‏:‏ عند لقائي وفي حكمي على ما قال ابن الشيخ، وأياً ما كان يلزم مما ذكر أن المرسلين عليهم السلام لا يخافون سوء العاقبة لأن الله تعالى آمنهم من ذلك فلو خافوا لزم أن لا يكونوا واثقين به عز وجل وهذا هو الصحيح كما في «الحواشي الشهابية» عند الأشعري، وظاهر الآثار يقتضي أنهم عليهم السلام كانوا يخافون ذلك، فقد روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يكثر أن يقول‏:‏ ‏"‏ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها يوماً‏:‏ يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى‏؟‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا أراد يقلب قلب عبده ‏"‏ وظاهر بعد الآيات يقتضي ذلك أيضاً مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 99‏]‏ وكون الله تعالى آمنهم من ذلك إن أريد به ما جاء في ضمن تبشيرهم بالجنة فقد صح أن المبشرين بالجنة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يخافون من سوء العاقبة مع علمهم ببشارته تعالى إياهم بالجنة، ويعلم منه أن الخوف يجتمع مع البشارة، ولا يلزم من ذلك عدم الوثوق به عز وجل لأنه لاحتمال أن يكون هناك شرط لم يظهره الله تعالى لهم للابتلاء ونحوه من الحكم الإلهية، وإن أريد به ما كان بصرحي ءامنتكم من سوء العاقبة كان هذا الاحتمال قائماً أيضاً فيه ويحصل الخوف من ذلك، وإن أريد به ما اقتضاه جعله تعالى إياهم معصومين من الكفر ونحوه ورد أن الملائكة عليهم السلام جعلهم الله تعالى معصومين من ذلك أيضاً وهم يخافون‏.‏

ففي الأثر لما مكر بإبليس بكى جبرائيل‏.‏ وميكائيل عليهما السلام فقال الله عز وجل لهما‏:‏ ما يبكيكما‏؟‏ قالا‏:‏ يا رب ما نأمن مكرك فقال تعالى‏:‏ هكذا كونا لا تأمنا مكري، ولعل ذلك لأن العصمة عندنا على ما يقتضيه أصل استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار ابتداء كما في المواقف وشرحه الشريف الشريفي أن لا يخلق الله تعالى في الشخص ذنباً، وعند الحكماء بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالإيجاب واعتبار استعداد القوابل ملكة تمنع الفجور وتحصل ابتداء بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي وهي بكلا المعنيين لا تقتضي استحالة الذنب، أما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الأول فلأن عدم خلقه تعالى إياه ليس بواجب عليه سبحانه ليكون خلقه مستحيلاً عليه تعالى ومتى لم يكن الخلق مستحيلاً عليه تعالى فكيف يحصل الأمن من المكر، وأما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الثاني فلأن زوال تلك الملكة ممكن أيضاً واقتضاء العلم بالمثالب والمناقب إياها ابتداء وتأكدها بتتابع الوحي ليس من الضروريات العقلية ومتى كان الأمر كذلك لا يحصل الأمن بمجرد حصول الملكة، نعم قال قوم‏:‏ العصمة تكون خاصية في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها صدور الذنب عنه، وقد يستند إليه من يقول بالأمن، ولا يخفى أنه لو سلم تمام الاستدلال به على هذا المطلب فهو في حد ذاته غير صحيح‏.‏

ففي المواقف وشرحه أنه يكذب هذا القول أنه لو كان صدور الذنب ممتنعاً لما استحق النبي عليه الصلاة والسلام المدح بترك الذنب إذ لا مدح بترك ما هو ممتنع لأنه ليس بمقدور داخلاً تحت الاختيار، وأيضاً فالاجماع على أن الأنبياء عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان صدور الذنب ممتنعاً عنهم لما كان الأمر كذلك، وأيضاً فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 110‏]‏ يدل على مماثلتهم عليهم السلام لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية والامتياز بالوحي فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما لا يمتنع صدوره عن سائر البشر اه، وذكر الخفاجي في شرح الشفاء عن ابن الهمام أنه قال في التحرير‏:‏ العصمة عدم القدرة على المعصية وخلق مانع عنها غير ملجىء، ثم قال‏:‏ وهو مناسب لقول الماتريدي العصمة لا تزيل المحنة أي الابتلاء المقتضى لبقاء الاختيار، ومعناه كما في «الهداية» أنها لا تجبره على الطاعة ولا تعجزه عن المعصية بل هي لطف من الله تعالى تحمله على فعله وتزجره عن الشر مع بقاء الاختيار وتحقيق للابتلاء اه، وهو ظاهر على عدم الاستحالة الذاتية لصدور الذنب، ولعل ما وقع في كلام بعض الأجلة من استحالة وقوع الذنب منهم عليهم السلام محمول على الاستحالة الشرعية كما يؤذن به كلام العلامة ابن حجر في «شرح الهمزية»، وبالجملة الذي تقتضيه الظواهر ويشهد له العقل أن الأنبياء عليهم يخافون ولا يأمنون مكر الله تعالى لأنه وإن استحال صدور الذنب عنهم شرعاً لكنه غير مستحيل عقلاً بل هو من الممكنات التي يصح تعلق قدرة الله تعالى بها ومع ملاحظة إمكانه الذاتي وأن الله تعالى لا يجب عليه شيء وقيام احتمال تقييد المطلق بما لم يصرحج به لحكمة كالمشيئة لا يكاد يأمن معصوم من مكر الملك الحي القيوم فالأنبياء والملائكة كلهم خائفون ومن خشيته سبحانه عز وجل مشفقون، وليس لك أن تخص خوفهم بخوف الإجلال إذ الظاهر العموم ولا دليل على الخصوص يعود عليه عند فحول الرجال، نعم قال يقال بإمكان حصول الأمن من المكر وذلك بخلق الله تعالى علماً ضرورياً في العبد بعدم تحقق ما يخاف منه في وقت من الأوقات أصلاً لعلم الله تعالى عدم تحققه كذلك وإن كان ممكناً ذاتياً، ولعله يحصل لأهل الجنة لتتم لذتهم فيها فقد قيل‏:‏

فإن شئت إن تحيا حياة هنية *** فلا تتخذ شيئاً تخاف له فقداً

ولا يبعد حصوله لمن شاء الله تعالى من عباده يوم القيامة قبل دخولها أيضاً، ولم تقم أمارة عندي على حصوله في هذه النشأة لأحد والله تعالى أعلم فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هاك، وروى الإمام عن بعضهم أنه قال معنى الآية‏:‏ إني إذا أمرت المرسلين بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ الاستثناء فهي منقطع عند كثير إلا أنه روى عن الفراء‏.‏ والزجاج‏.‏ وغيرهما أن المراد بمن ظلم من أذنب من غير الأنبياء عليهم السلام، قال «صاحب المطلع»‏:‏ والمعنى عليه لكن من ظلم من سائر العباد ثم تاب فإني أغفر له، وقال جماعة‏:‏ إن المراد به من فرطت منه صغير ما وصدر منه خلاف الأولى بالنسبة إلى شأنه من المرسلين عليهم السلام‏.‏

والمراد استدراك ما يختلج في الصدر من نفى الخوف عن كلهم وفيهم من صدر منه ذلك، والمعنى عليه لكن من صدر منهم ما هو في صورة الظلم ثم تاب فإني أغفر له فلا ينبغي أن يخاف أيضاً، وهو شامل على ما قيل لمن فعل منهم شيئاً من ذلك قبل رسالته، وخصه بعضهم بمن صدر منه شيء من ذلك قبل النبوة وقال‏:‏ يؤيده لفظة ‏{‏ثُمَّ‏}‏ فإنها ظاهرة في التراخي الزماني، ولعل الظاهر كونه خاصاً بمن صدر منه بعد الرسالة لظهور المرسل في المتلبس بالرسالة لا فيمن يتلبس بها بعد ألأ الأعم، وكأن فيما ذكر على الوجهين الأولين تعريضاً بما وقع من موسى عليه السلام من وكزه القبطي واستغفاره، وتسميته ظلماً مشاكلة لقوله عليه السلام ‏{‏ظلمت نفسي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 16‏]‏، ولم يجعلوه على هذا متصلاً مع دخول المستثنى في المستثنى منه أعني المرسلين مطلقاً لأنه لو كان متصلاً لزم إثبات الخوف لمن فرطت منه صغيرة ما منهم لاستثنائه من الحكم وهو نفي الخوف عنهم ونفي النفي إثبات وذلك خلاف المراد فلا يكن متصلاً بل هو شروع في حكم آخر‏.‏

ورجح الطيبي ما قاله الجماعة بأن مقام تلقي الرسالة وابتداء المكالمة مع الكليم يقتضي إزالة الخوف بالكلية وهو ظاهر على ما قالوه، وروى عن الحسن‏.‏ ومقاتل‏.‏ وابن جريج‏.‏ والضحاك ما يقتضي أنه استثناء متصل والظاهر أنهم أرادوا بمن من أراده الجماعة؛ وفي اتصاله على ما سمعت خفاء‏.‏ وربما يقال‏:‏ إن من يطلق الاتصال عليه في رأي الجماعة يكتفي في الاتصال بمجرد كون المستثني من جنس المستثنى منه فإن كفى فذاك وإلا يلتزم إثبات الخوف ويجعل ‏{‏بَدَّلَ‏}‏ عطفاً على مستأنف محذوف كأنه قيل‏:‏ إلا من فرطت منه صغيرة فإن يخاف فمن فرط ثم تاب غفر له فلا يخاف‏.‏ وحاصله إلا من ظلم فإنه يخاف أولاً ويزول عنه الخوف بالتوبة آخراً، وعن الفراء في رواية أخرى عنه أنه استثناء متصل من جملة محذوفة والتقدير وإنما يخاف غيرهم إلا من ظلم‏.‏ ورده النحاس بأن الاستثناء من محذوف لا يجوز ولو جاز هذا الجاز أن يقال‏:‏ لا تضرب القوم إلا زيداً على معنى وإنما أضرب غيرهم إلا زيداً وهذا ضد البيان والمجيء بما لا يعرف معناه انتهى وهو كما قال‏.‏

ولا يجدي نفعاً القول باعتبار مفهوم المخالفة‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ إن إلا بمعنى الواو والتقدير ولا من ظلم الخ‏.‏

وتعقبه في «البحر» بأنه ليس بشيء للمباينة التامة بين إلا والواو فلا تقع أحدهما موقع الآخري‏.‏ وحسن الظن يجوز أنهم لم يصرحوا بكون إلا بمعنى الواو وإنما فهم من نسبه إليه من تقديرهم وهو يحتمل أن يكون تقدير معنى لا إعراب فلا تغفل، والظاهر انقطاع الاستثناء، ولعل الأوفق بشأن المرسلين أن يراد بمن ظلم من ارتكب ذنباً كبيراً أو صغيراً من غيرهم، و‏{‏ثُمَّ‏}‏ يحتمل أن تكون للتراخي الزماني فتفيد الآية المغفرة لمن يدل على الفور من باب أولى، ويحتمل أن تكون للتراخي الرتبي وهو ظاهر بين الظلم والتبديل المذكور‏.‏ والتبديل قد يتعدى إلى مفعولين بنفسه نحو ‏{‏بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 56‏]‏ وقد يتعدى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بالباء أو بمن وهو المذهوب به والمبدل منه نحو بدله بخوفه أو من خوفه أمناً وقد يتعدى إلى واحد نحو بدلت الشيء أي غيرته‏.‏ وَمِنْهُ ‏{‏فمن بدله بعدما سمعه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 181‏]‏ والمعنى هنا على المتعدي إلى مفعولين‏.‏ وقد تعدى إلى أحدهما وهو المبدل منه بالباء أو بمن فكأنه قيل‏:‏ ثم بدل بظلمه أو من ظلمه حسناً‏.‏ ويشير إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَعْدَ سُوء‏}‏ وحاصله ثم ترك الظلم وأتى بحسن، والمراد به التوبة‏.‏ فيكون المعنى في الآخرة إلا من ظلم ثم تاب وعدل عنه إلى ما في النظم الجليل لأنه أوفق بمقام الإيناس كذا قيل، والظاهر عليه إن إسناد التبديل إلى من ظلم حقيقي، وقيل‏:‏ إن المعنى ثم رفع الظلم والسوء ومحاه من صحيفة أعماله ووضع مكانه الحسن بسبب توبته نظير ما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 70‏]‏، وإسناد التبديل إلى من ظلم على هذا مجازي لأنه سبب لتبديل الله تعالى له بتوبته، وكأني بك تختار الأول، ومحل ‏{‏مِنْ‏}‏ على كل من تقديري انقطاع الاستثناء واتصاله ظاهر‏.‏ والظاهر أنها موصولة في التقديرين‏.‏ ولا يخفى إنها إذا اعتبرت منصوبة المحل على الاستثناء أو مرفوعته على البدل تكون جملة ‏{‏فَإِنّي‏}‏ الخ مستأنفة‏.‏ ومن قدر في الكلام محذوفاً وعطف عليه ‏{‏بَدَّلَ‏}‏، وقال‏:‏ التقدير من ظلم ثم بدل جعل الجملة خبر من، وجوز بعضهم أن تكون شرطية وجملة ‏{‏فَإِنّي‏}‏ الخ جوابها فتأمل ولا تغفل‏.‏ وقرأ أبو جعفر‏.‏ وزيد بن أسلم ‏{‏إَلاَّ مَن ظَلَمَ‏}‏ بفتح الهمزة وتخفيف اللام على ‏{‏إِلا‏}‏ حرف استفتاح‏.‏ وجعل أبو حيان ‏{‏مِنْ‏}‏ على هذه القراءة شرطية ولا أراه واجباً‏.‏ وقرأ محمد بن عيسى الأصبهاني ‏{‏حسني‏}‏ على وزن فعلي ممنوع الصرف‏.‏ وقرأ ابن مقسم ‏{‏أَجْرًا حَسَنًا‏}‏ بضم الحاء والسين منوناً‏.‏

وقرأ مجاهد‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ وابن أبي علي‏.‏ والأعمش‏.‏ وأبو عمرو في رواية الجعفي‏.‏ وعصمة‏.‏ وعبد الوارث‏.‏ وهرون‏.‏ وعياش ‏{‏حَسَنًا‏}‏ بفتح الحاء والسين مع التنوين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ‏}‏ أي جيب قميصك وهو مدخل الرأس منه المفتوح إلى الصدر لا ما يوضع فيه الدراهم ونحوها كما هو معروف الآن لأنه مولد، ولم يقل سبحانه‏:‏ في كمك لأنه عليه السلام كان لابساً إذ ذاك مدرعة من صوف لا كم لها، وقيل‏:‏ الجيب القميص نفسه لأنه يجاب أي يقطع فهو فعل بمعنى مفعول، وقال السدي‏:‏ ‏{‏فِى جَيْبِكَ‏}‏ أي تحت إبطك‏.‏

ولعل مراده أن المعنى أدخلها في جيبك وضعها تحت إبطك، وكانت مدرعته عليه السلام على ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا أزرار لها، وقد ورد في بعض الآثار أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان مطلق القميص في بعض الأوقات، ففي سنن أبي داود باب في حل الأزرار ثم أخرج فيه من طريق معاوية بن قرة قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلق، وفي رواية البغوي في معجم الصحابة لمطلق الأزرار قال‏:‏ فبايعته‏.‏ ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم، قال عروة فما رأيت معاوية ولا أباه قط إلا مطلقي أزرارهما، ولا يزرانها أبداً وجاء أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام أمر بزر الأزرار‏.‏

فقد أخرج الطبراني عن زيد بن أبي أوفى «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فإذا أزراره محلولة فزرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال‏:‏ اجمع عطفي ردائك على نحرك» وفي هذين الأثرين ما هو ظاهر في أن جيب القميص كان إذا ذاك على الصدر كما هو اليوم عند العرب‏.‏ وهو يبطل القول بأنه خلاف السنة وأنه من شعائر اليهود، وأمره تعالى إياه عليه السلام بإدخال يده في جيبه مع أنه سبحانه قادر على أن يجعلها بيضاء من غير إدخال للامتحان وله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء، والظاهر أن قوله تعالى‏:‏

‏{‏تُخْرِجُ‏}‏ جواب الأمر لأن خروجها مترتب على إدخالها، وقيل‏:‏ في الكلام حذف تقديره وأدخل يدك في جيبك تدخل وأخرجها تخرج فحذف من الأول ما أثبت مقابلة في الثاني ومن الثاني ما أثبت مقابله في الأول فيكون في الكلام صنعة الاحتباك وهو تكلف لا حاجة إليه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَيْضَاء‏}‏ حال وكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ غَيْرِ سُوء‏}‏ وهو احتراس وقد تقدم الكلام فيه‏.‏ وكذا قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فِى تِسْعِ ءايات‏}‏ أي آية معدودة من جملة تسع آيات أو معجزة لك معها على أن التسع هي الفلق‏.‏ والطوفان‏.‏ والجراد‏.‏ والقمل‏.‏ والضفادع‏.‏

والدم‏.‏ والطمسة وهي جعل أسبابهم حجارة‏.‏ والجدب‏.‏ في بواديهم‏.‏ والنقصان في مزارعهم‏.‏ ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الجدب والنقصان في المزارع واحداً ولا يعد الفلق منها لأنه عليه السلام لم يبعث به إلى فرعون وأن تقدمه بيسير؛ ومن عده يقول‏:‏ يكفي معاينته له في البعث به أو هو بعث به لمن آمن من قومه ولمن تخلف من القبط ولم يؤمن، وفي «التقريب» أن الطمسة‏.‏ والجدب‏.‏ والنقصان يرجع إلى شيء واحد فالتسع هذا الواحد‏.‏ والعصا‏.‏ واليد‏.‏ وما بقي من المذكورات‏.‏

وذهب «صاحب الفرائد» إلى أن الجراد‏.‏ القمل واحد، والجدب‏.‏ والنقصان واحد، وجوز أن يكون في تسع منقطعاً عما قبله متعلقاً بمحذوف أي اذهب في تسع آيات‏.‏ ويدل على ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 13‏]‏ وفي بمعنى مع، ونظير هذا الحذف ما في قوله‏:‏

أوا ناري فقلت منون أنتم *** فقالوا الجن قلت عموا ظلاماً

وقلت إلى الطعام فقال منهم *** فريق يحسد الإنس الطعاما

فإن التقدير هلموا إلى العطام‏.‏ ويتعلق بهاذ المحذوف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ‏}‏ وعلى ما تقدم يتعلق بمحذوف وقع حالاً أي مبعوثاً أو مرسلاً إلى فرعون، وأياً ما كان فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين‏}‏ مستأنف استئنافاً بيانياً كأنه قيل لم أرسلت إليهم بما ذكر‏؟‏ فقيل‏:‏ إنهم الخ، والمراد بالفسق إما الخروج عما ألزمهم الشرع إياه إن قلنا بأنهم قد أرسل قبل موسى عليه السلام من يلزمهم اتباعه وهو يوسف عليه السلام، وإما الخروج عما ألزمه العقل واقتضاء الفطرة إن قلنا بأنه لم يرسل إليهم أحد قبله عليه السلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا‏}‏ أي ظهرت لهم على يد موسى عليه السلام، فالمجيء مجاز عن الظهور وإسناده إلى الآيات حقيقي، وقال بعض الأجلة‏:‏ المجيء حقيقة وإسناده إلى الآيات مجازي وهو حقيقة لموسى عليه السلام ولما بينهما من الملابسة لكونها معجزة له عليه السلام ساغ ذلك‏.‏

ولعل النكتة في العدول عن فلما جاءهم موسى بآياتنا إلى ما في النظم الجليل الإشارة إلى أن تلك الآيات خارجة عن طوقه عليه السلام كسائر المعجزات وأنه لم يكن له عليه السلام تصرف في بعها وكونه معجة له لأهباره به ووقوعه بدعائه ونحوه، ولا ينافي هذا الإسناد إليه لكونها جارية على يده للإعجاز في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهُم موسى بئاياتنا‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏ في محل آخر، وقد بين بعضهم وجهاً لاختصاص كل منهما بمحله بأن ثمة ذكر مقاولته عليه السلام ومجادلتهم معه فناسب الإسناد إليه، وهنا لما لم يكن كذلك ناسب الإسناد إليها لأ المقصود بيان جحودهم بها، وإضافة الآيات للعهد، وفي إضافتها إلى ضمير العظمة ما لا يخفى من تعظيم شأنها ‏{‏مُبْصِرَةً‏}‏ حال من الآيات أي بينة واضحة، وجعل الأبصار لها وهو حقيقة لمتأمليها للملابسة بينها وبينهم لأنهم إنما يبصرون بسبب تأملهم فيها فالإسناد مجازي من باب الإسناد إلى السبب، ويجوز أن يراد مبصرة كل من نظر إليها من العقلاء أو من فرعون وقومه لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستيقنتها أَنفُسُهُمْ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏ أي جاعلته بصيراً من أبصره المتعدي بهمزة النقل من بصر والإسناد أيضاً مجازي‏.‏

ويجوز أن تجعل الآيات كأنها تبصر فتهدي لأن العمى لا تقدر على الاهتداء فضلاً أن تهدي غيرها فيكون في الكلام استعارة مكنية تخييلية مرشحة، قال في «الكشف» وهذا الوجه أبلغ، وقيل‏:‏ إن فاعلاً أطلق للمفعول فالمجاز إما في الطرف أو في الإسناد فتأمل‏.‏

وقرأ قتادة‏.‏ وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ‏{‏مُبْصِرَةً‏}‏ بفتح الميم والصاد على وزن مسبغة، وأصل هذه الصيغة أن تصاغ في الأكثر لمكان كثر فيه مبدأ الاشتقاق فلا يقال‏:‏ مسبعة مثلاً إلا لمكان يكثر فيه السباع لا لما فيه سبع واحد ثم تجوز بها عما هو سبب لكثرة الشيء وغلبته كقولهم‏:‏ الولد مجبنة ومبخلة أي سبب لكثرة جبن الوالد وكثرة بخله وهو المراد هنا أي سبباً لكثرة تبصر الناظرين فيها، وقال أبو حيان‏:‏ هو مصدر أقيم مقام الاسم وانتصب على الحال أيضاً ‏{‏قَالُواْ هذا‏}‏ أي الذي نراه أو نحوه ‏{‏سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ أي واضح سحريته على أن ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ من أبان اللازم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَحَدُواْ بِهَا‏}‏ أي وكذبوا بها ‏{‏واستيقنتها أَنفُسُهُمْ‏}‏ أي علمت علماً يقينياً أنها آيات من عند الله تعالى، والاستيقان أبلغ من الإيقان‏.‏

وفي «البحر» أن استفعل هنا بمعنى تفعل كاستكبر بمعنى تكبر، والأبلغ أن تكون الواو للحال والجملة بعدها حالية إما بتقدير قد أو بدونها ‏{‏ظُلْماً‏}‏ أي للآيات كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 9‏]‏ وقد ظلموا بها أي ظلم حيث حطوها عن رتبتها العالية وسموها سحراً، وقيل‏:‏ ظلماً لأنفسهم وليس بذاك ‏{‏وَعُلُوّاً‏}‏ أي ترفعاً واستكباراً عن الإيمان بها كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 36‏]‏ وانتصابهما إما على العلية من ‏{‏جَحَدُواْ‏}‏ وهي على ما قيل باعتبار العاقبة والادعاء كما في قوله‏:‏

لدوا للموت وابنوا للخراب *** وأما على الحال من فاعله أي جحدوا بها ظالمين عالين، ورجح الأول بأنه أبلغ وأنسب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين‏}‏ أي ما آل إليه فرعون وقومه من الإغراق على الوجه الهائل الذي هو عبرة للظالمين، وإنما لم يذكر تنبيهاً على أنه عرضة لكل ناظر مشهور لدى كل باد وحاضر‏.‏ وأدخل بعضهم في العاقبة حالهم في الآخرة من الإحراق والعذاب الأليم‏.‏ وفي إقامة الظاهر مقام الضمير ذم لهم وتحذير لأمثالهم‏.‏

وقرأ عبد الله‏.‏ وابن وثاب‏.‏ والأعمش‏.‏ وطلحة‏.‏ وأبان بن تغلب ‏{‏وعلياً‏}‏ بقلب الواو ياء وكسر العين واللام، وأصله فعول لكنهم كسروا العين اتباعاً، وروي ضمها عن ابن وثاب‏.‏ والأعمش‏.‏ وطلحة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏المفسدين وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ وسليمان عِلْماً‏}‏ كلام مستأنف مسوق لتقرير ما سبق من أنه عليه السلام تلقى القرآن من لدون حكيم عليم كقصة موسى عليه السلام، وتصديره بالقسم لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه أي آتينا كل واحد منهما طائفة من العلم لائقة به من علم الشرائع والأحكام وغير ذلك مما يختص بكل منهما كصنعة لبوس ومنطق الطير، وخصها مقاتل بعلم القضاء، وابن عطاء بالعلم بالله عز وجل، ولعل الأولى ما ذكر أو علماً سنياً غزيراً فالتنوين على الأول للتقليل وهو أوفق بكون القائل هو الله عز وجل فإن كل علم عنده سبحانه قليل وعلى الثاني للتعظيم والتكثير؛ وهو أوفق بامتنانه جل جلاله فإنه سبحانه الملك العظيم فاللائق بشأنه الامتنان بالعظيم الكثير فلكل وجهة، وربما يرجح الثاني، ومما ينبغي أن لا يلتفت إليه كون التنوين للنوعية أي نوعاً من العلم والمراد به علم الكيمياء ‏{‏وَقَالاَ‏}‏ أي قال كل منهما شكراً لما أوتيه من العلم ‏{‏الحمد لِلَّهِ الذى فَضَّلَنَا‏}‏ بما آتانا من العلم ‏{‏على كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ المؤمنين‏}‏ على أن عبارة كل منهما فضلني إلا أنه عبر عنهما عند الحكاية بصيغة المتكلم مع الغير إيجازاً، وحكاية الأقوال المتعددة سواء كانت صادرة عن المتكلم أو عن غيره بعبارة جامعة للكل مما ليس بعزيز، ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 51‏]‏ قيل وبهذا ظهر حسن موقع العطف بالواو دون الفاء إذ المتبادر من العطف بالفاء ترتب حمل كل منهما على إيتاء ما أوتي كل منهما لا على إيتاء ما أوتي نفسه فقط‏.‏

وتعقب بأنه إذا سلم ما ذكر فالعطف بالواو أيضاً يتبادر معه كون حمد كل منهما على إيتاء ما أوتي كل منهما فما يمنع من ذلك مع الواو يمنع نحوه مع الفاء، وقال العلامة الزمخشري‏:‏ عطف بالواو دون الفاء مع أن الظاهر العكس كما في قولك‏:‏ أعطيته فشكر إشعاراً بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد كأنه قال سبحانه‏:‏ ولقد آتيناهما علماً فعملا فيه وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، وقالا‏:‏ الحمد لله الذي فضلنا، وحاصله أن إيتاء العلم من جلائل النعم وفواضل المنح يستدعي إحداث الشكر أكثر مما ذكر فجىء بالواو لأنها تستدعي إضماراً فيضمر ما يقتضيه موجب الشكر من قوله‏:‏ فعملا به وعلماه فإنه شكر فعلي، وقوله‏:‏ وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة فإنه شكر قلبي، وبقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالاَ‏}‏ الخ تتم أنواع الشكر لأنه شكر لساني، وفي الطي إيماء بأن المطوي جاوز حد الإحصاء، ويعلم مما ذكر أن هذا الوجه لاختيار العطف بالواو أولى مما ذهب إليه السكاكي من تفويض الترتب إلى العقل لأن المقام يستدعي الشكر البالغ وهو ما يستوعب الأنواع وعلى ما ذهب إليه يكون بنوع القولي منها وحده، وهو أولى مما قيل أيضاً‏:‏ إنه لم يعطف بالفاء لأن الحمد على نعم عظيمة من جملتها العلم ولو عطف بالفاء لكان الحمد عليه فقط لأن السياق ظاهر في أن الحمد عليه لا على ما يدخل هو في جملته، وهل هناك على ما ذكره العلامة تقدير حقيقة أم لا قولان، وممن ذهب إلى الأول من يسمي هذه الواو الواو القصيحة، والظاهر أن المراد من الكثير المفضل عليه من لم يؤت مثل علمهما عليهما السلام، وقيل‏:‏ ذاك ومن لم يؤت علماً أصلاً‏.‏

وتعقب بأنه يأباه تبيين الكثير بعباده تعالى المؤمنين فإن خلوهم عن العلم بالمرة مما لا يمكن، وفي تخصيصهما الكثير بالذكر إشارة إلى أن البعض مفضلون عليهما كذا قيل، والمتبادر من البعض القليل، وفي «الكشاف» أن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏على كَثِيرٍ‏}‏ أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير‏.‏ وتعقب بأن فيه نظراً إذ يدل بالمفهوم على أنهما لم يفضلا على القليل فإما أن يفضل القليل عليهما أو يساوياه فلا بل يحتمل الأمرين‏.‏

ورده صاحب الكشف بأن الكثير لا يقابله القليل في مثل هذا المقام بل يدل على أن حكم الأكثر بخلافه، ولما بعد تساوى الأكثر من حيث العادة لا سيما والأصل التفاوت حكم صاحب الكشاف بأنه يدل على أنه فضل عليهما أيضاً كثير على أن العرف طرح التساوي في مثله عن الاعتبار وجعل التقابل بين المفضل والمفضل عليه، ألا ترى أنهم إذا قالوا‏:‏ لا أفضل من زيد فهم أنه أفضل من الكل انتهى‏.‏

وفي الآية أوضح دليل على فضل العلم وشرف أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل ولم يعتبرا دونه مما أوتياه من الملك العظيم وتحريض للعلماء على أن يحمدوا الله تعالى على ما آتاهم من فضله وأن يتواضعوا ويعتقدوا أن في عباد الله تعالى من يفضلهم في العلم، ونعم ما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين نهى على المنبر عن التغالي في المهور فاعترضت عليه عجوز بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتيتم إحداهن قنطاراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 20‏]‏ الآية‏:‏ كل الناس أفقه من عمر، وفيه من جبر قلب العجوز وفتح باب الاجتهاد ما فيه، وجعل الشيعة له من المثالب من أعظم المثالب وأعجب العجائب‏.‏ ولعل في الآية إشارة إلى جواز أن يقول العالم‏:‏ أنا عالم‏.‏ وقد قال ذلك جملة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم منهم أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وما شاع من حديث «من قال أنا عالم فهو جاهل» إنما يعرف من كلا يحيى بن أبي كثير موقوفاً عليه على ضعف في إسناده، ويحيى هذا من صغار التابعين فإنه رأى أنس بن مالك وحده، وقدوهم بعض الرواة فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتحقيقه في أعذب المناهل للجلال السيوطي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏وَوَرِثَ سليمان دَاوُودَ‏}‏ أي قام مقامه في النبوة والملك وصار نبياً ملكاً بعد موت أبيه داود عليهما السلام فوراثته إياه مجاز عن قيامه مقامه فيما ذكر بعد موته، وقيل‏:‏ المراد وراثة النبوة فقط، وقيل‏:‏ وراثة الملك فقط، وعن الحسن ونسبه الطبرسي إلى أئمة أهل البيت أنها وراثة المال، وتعقب بأنه قد صح ‏"‏ نحن معاشر الأنبياء لا نورث ‏"‏ وقد ذكره الصديق‏.‏ والفاروق رضي الله تعالى عنهما بحضرة جمع من الصحابة وهم الذين لا يخافون في الله تعالى لومة لائم ولم ينكره أحد منهم عليهما‏.‏

وأخرج أبو داود‏.‏ والترمذي عن أبي الدرداء قال‏:‏ ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ‏"‏ وروى محمد بن يعقوب الرازي في «الكافي» عن أبي البحتري عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال ذلك أيضاً، ومما يدل على أن هذه الوراثة ليست وراثة المال ما روى الكليني عن أبي عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان صلى الله عليه وسلم، وأيضاً وراثة المال لا تختص بسليمان عليه السلام فإنه كان لداود عدة أولاد غيره كما رواه الكليني عنه أيضاً، وذكر غيره أنه عليه السلام توفي عن تسعة عشر ابناً فالإخبار بها عن سليمان ليس فيه كثير نفع وإن كان المراد الأخبار بما يلزمها من بقاء سليمان بعد داود عليهما السلام فما الداعي للعدول عما يفيده من غير خفاء مثل وقال سليمان بعد موت أبيه داود «يا أيها الناس» الخ‏.‏

وأيضاً السياق والسباق يأبيان أن يكون المراد وراثة المال كما لا يخفى على منصف، والظاهر أن الرواية عن الحسن غير ثابتة وكذا الرواية عن أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم، فقد سمعت في رواية الكليني عن الصادق رضي الله تعالى عنه ما ينافي ثبوتها، ووراثة غير المال شائعة في الكتاب الكريم فقد قال عز من قائل‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 32‏]‏، وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 169‏]‏ ولا يضر تفاوت القرينة فافهم‏.‏

وكان عمره يوم توفى داود عليهما السلام اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة وكان داود قد أوصى له بالملك فلما توفي ملك وعمره ما ذكر، وقيل‏:‏ إن داود عليه السلام ولاه على بني إسرائيل في حياته حكاه في «البحر»‏.‏

‏{‏وَقَالَ‏}‏ تشهيراً لنعمة الله تعالى وتعظيماً لقدرها ودعاءً للناس إلى التصديق بنبوته بذكر المعجزات الباهرات التي أوتيها لا افتخاراً ‏{‏يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس‏}‏ الظاهر عمومه جميع الناس الذين يمكن عادة مخاطبتهم‏.‏

وقال بعض الأجلة‏:‏ المراد به رؤساء مملكته وعظماء دولته من الثقلين وغيرهم، والتعبير عنهم بما ذكر للتغليب، وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي أنه قال‏:‏ الناس عندنا أهل العلم ‏{‏عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير‏}‏ أي نطقه وهو في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفرداً أو مركباً، وقد يطلق على كل ما يصوت به على سبيل الاستعارة المصرحة، ويجوز أن يعتبر تشبيه المصوت بالإنسان ويكون هناك استعارة بالكناية وإثبات النطق تخييلاً، وقيل يجوز أيضاً أن يراد بالنطق مطلق الصوت على أنه مجاز مرسل وليس بذاك‏.‏

ويحتمل الأوجه الثلاثة قوله‏:‏

لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت *** حمامة في غصون ذات أو قال

وقد يطلق على ذلك للمشاكلة كما في قولهم‏:‏ الناطق والصامت للحيوان والجماد، والذي علمه عليه السلام من منطق الطير هو على ما قيل ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه، ويحكى أنه عليه السلام مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول‏؟‏ قالوا‏:‏ الله تعالى ونبيه أعلم قال‏:‏ يقول أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء‏.‏ وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاوس فقال يقول كما تدين تدان، وصاح هدهد فقال‏:‏ يقول استغفروا الله تعالى يا مذنبون، وصاح طيطوى فقال‏:‏ يقول كل حي ميت وكل جديد بال، وصاح خطاف فقال‏:‏ يقول قدموا خيراً تجدوه، وصاحت رخمة فقال‏:‏ تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري فأخبر أنه يقال‏:‏ سبحان ربي الأعلى، وقال الحدأ‏:‏ يقول كل شيء هالك إلا الله تعالى، والقطاة تقول‏:‏ من سكت سلم، والببغاء يقول‏:‏ ويل لمن الدنيا همه؛ والديك يقول‏:‏ اذكروا الله تعالى يا غافلون‏.‏ والنسر يقول‏:‏ يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت‏.‏ والعقاب يقول‏:‏ في البعد من الناس أنس‏.‏ والضفدع يقول‏:‏ سبحان ربي القدوس‏.‏ والقنبرة تقول‏:‏ اللهم العن مبغض محمد وآل محمد، والزرزور يقول‏:‏ اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق‏.‏ والدراج يقول‏:‏ الرحمن على العرش استوى انتهى‏.‏ ونظم الضفدع في سلك المذكورات من الطير ليس في محله، ومع هذا الله تعالى أعلم بصحة هذه الحكاية‏.‏ وقيل‏:‏ كانت الطير تكلمه عليه السلام معجزة له نحو ما وقع من الهدهد في القصة الآتية‏.‏ وقيل‏:‏ علم عليه السلام ما تقصده الطير في أصواتها في سائر أحوالها فيفهم تسبيحها ووعظها وما تخاطبه به عليه السلام وما يخاطب به بعضها بعضاً‏.‏ وبالجملة علم من منطقها ما علم الإنسان من منطق بني صنفه، ولا يستبعد أن يكون للطير نفوس ناطقة ولغات مخصوصة تؤدي بها مقاصدها كما في نوع الإنسان إلا أن النفوس الإنسانية أقوى وأكمل، ولا يبعد أن تكون متفاوتة تفاوت النفوس الإنسانية الذي قال به من قال‏.‏

ويجوز أن يعلم الله تعالى منطقها من شاء من عباده ولا يختص ذلك بالأنبياء عليهم السلام، ويجري ما ذكرناه في سائر الحيوانات‏.‏ وذهب بعض الناس إلى أن سليمان عليه علم منطقها أيضاً إلا أنه نص على الطير لأنها كانت جنداً من جنوده يحتاج إليها في التظليل من الشمس وفي البعض في الأمور، ولا يخفى أن الآية لا تدل على ذلك فيحتاج القول به إلى نقل صحيح، وزعم بعضهم أنه عليه السلام علم أيضاً منطق النبات فكان يمر على الشجرة فتذكر له منافعها ومضارها‏.‏ ولم أجد في ذلك خبراً صحيحاً‏.‏ وكثير من الحكماء من يعرف خواص النبات بلونه وهيئته وطعمه وغير ذلك‏.‏ ولا يحتاج في معرفتها إلى نطقه بلسان القال‏.‏ والضمير في ‏{‏عَلِمْنَا وَأُوتِينَا‏}‏ قيل‏:‏ له ولأبيه عليهما السلام وهو خلاف الظاهر‏.‏ والأولى كونه له عليه السلام‏.‏ ولما كان ملكاً مطاعاً خاطب رعيته على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة من التمهيد لما يراد من الرعية من الطاعة والانقياد في الأوامر والنواهي ولم يكن ذلك تعاظماً وتكبراً منه عليه السلام، ومراعاة قواعد السياسة للتوصل بها إلى ما فيه رضا الله عز وجل من الأمور المهمة‏.‏

وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم العباس بحبس أبي سفيان حتى تمر عليه الكتائب يوم الفتح لذلك، و‏{‏كُلٌّ‏}‏ في الأصل للإحاطة وترد للتكثير كثيراً نحو قولك‏:‏ فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء وهي كناية في ذلك أو مجاز مشهور‏.‏ وهذا المعنى هو المراد هنا إذا جعلت ‏{‏مِنْ‏}‏ صلة وهو المناسب لمقام التحدث بالنعم، وإن لم تجعل صلة فهي على أصلها فيما قيل‏.‏ وأنت تعلم أنه لا يتسنى ذلك إلا إذا أريد الكل المجموعي وهو كما ترى‏.‏

وفي «البحر» أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير‏}‏ إشارة إلى النبوة‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء‏}‏ إشارة إلى الملك‏.‏ والجملتان كالشرح للميراث‏.‏ وعن مقاتل أنه أريد بما أوتيه النبوة‏.‏ والملك‏.‏ وتسخير الجن والإنس والشياطين والريح‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو ما يهمه عليه السلام من أمر الدنيا والآخرة‏.‏ وقد يقال‏:‏ إنه ما يحتاجه الملك من آلات الحرب وغيرها ‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ إشارة إلى ما ذكر من التعليم والإيتاء ‏{‏لَهُوَ الفضل‏}‏ والإحسان من الله تعالى ‏{‏المبين‏}‏ الواضح الذي لا يخفى على أحد أو أن هذا الفضل الذي أوتيته لهو الفضل المبين‏.‏ فيكون من كلامه عليه السلام قطعاً ذيل به ما تقدم منه ليدل على أنه إنما قال ما قال على سبيل الشكر كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أنا سيد ولد آدم ولا فخر ‏"‏ بالراء المهملة آخره كما في الرواية المشهورة أي أقول هذا القول شكراً لا فخراً‏.‏ ويقرب من هذا المعنى ولا فخز بالزاي كما في الرواية الغير المشهورة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وَحُشِرَ لسليمان جُنُودُهُ‏}‏ أي جمع له عساكره من الأماكن المختلفة ‏{‏مّن الجن والارض والطير‏}‏ بيان للجنود كما في البحر» وغيره‏.‏ ولا يلزم من ذلك أن يكون الجنود المحشورون له عليه السلام جميع الجن وجميع الإنس وجميع الطير إذ يأبى ذلك مع قطع النظر عن العقل قصة بلقيس الآتية بعد، وكذا قصة الهدهد‏.‏

ونقل عن بعضهم أنه عليه السلام كان يأتيه من كل صنف من الطير واحد وهو نص في أن المحشور ليس جميع الطير‏.‏ ولا يكاد يصح إرادة الجميع في الجميع على ما ذكره الإمام في الآية أيضاً وهو أن المعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده لأنه وإن لم يستدع الحضور والاجتماع في موضع واحد بل يكفي فيه مجرد الانقياد والدخول في حيطة تصرفه والاتباع له حيث كانوا لإباء قصة بلقيس أيضاً عنه فإن المناسب الإخبار بهذا الجعل بعد الإخبار بدخولها ومن معها في حيطة تصرفه‏.‏

والظاهر أن هذا الحشر ليس إلا جمع العساكر ليذهب بهم إلى محاربة من لم يدخل في ربقة طاعته عليه السلام‏.‏ وكونه ليذهب بهم إلى مكة شكراً على ما وفق له من بناء بيت المقدس خلاف الظاهر‏.‏ لكن إذا صح فيه خبر قبل، وأن المجموع من الأنواع المذكورة ما يليق بشأنه وأبهته وعظمته سواء جعلت ‏{‏مِنْ‏}‏ بيانية أو تبعيضية‏.‏ وكونه عليه السلام أحد المؤمنين الذين ملكا المعمورة بأسرها إذا سلمنا صحة الخبر الدال عليه وسلامته من المعارض وأنه نص في المطلوب لا يستدعي سوى دخول سكان المعمورة في عداد رعيته وحيطة ملكته وليس ذلك دفعياً بل هو إن صح كان بحسب التدريج‏.‏ وقد ذكر بعض المؤرخين أن بلقيس إنما دخلت تحت طاعته في السنة الخامسة والعشرين من ملكه، وكانت مدة ملكه عليه السلام أربعين سنة وكذا كانت مدة ملك أبيه داود عليهما السلام‏.‏

والظاهر أن الحاشر لكل نوع من الأنواع الثلاثة أشخاص منهم فيكون من كل نوع أشخاص مأمورون بذلك معدون له‏.‏ ولا تستعد ذلك في الطير إذا كنت من المؤمنين بقصة الهدهد، ولا يلزمك التزام ما قاله الإمام من أن الله تعالى جعل للطير عقلاً في أيام سليمان عليه السلام ولم يجعل لها ذلك في أيامنا فما عليك بأس إذا قلت بأنها على حالة واحدة اليوم وذلك اليوم‏.‏ ولا نعني بعقلها إلا ما تهتدي به لأغراضها، ووجود ذلك اليوم فيها وكذا في غيرها من سائر الحيوانات مما لا ينكره إلا مكابر، وما علينا أن نقول‏:‏ إن عقولها من حيث هي كعقول الإنسان من حيث هي‏.‏ ولعل فيها من يهتدي إلى مالا يهتدي إليه الكثير من بني آدم كالنحل، ولعمري أنها لو كانت خالية من العقل كما يقال وفرض وجود العقل فيها لا أظن أنها تصنع بعد وجوده أحسن مما تصنع اليوم‏.‏

وهي خالية منه ولا يجب أن يكون كل عاقل مكلفاً فلتكن الطيور كسائر العقلاء الذين لم يبعث إليهم نبي يأمرهم وينهاهم، ويجوز أيضاً أن تكون عارفة بربها مؤمنة به جل وعلا من غير أن يبعث إليها نبي كمن ينشأ بشاهق جبل وحده ويكون مؤمناً بربه سبحانه بل كونها مؤمنة بالله تعالى مسبحة له وكذا سائر الحيوانات مما تشهد له ظواهر الآيات والأخبار، وقد قدمنا بعضاً من ذلك وليس عندنا ما يجب له التأويل، وبالغ بعضهم فزعم أنها مكلفة وفيها وكذا في غيرها من الحيوانات أنبياء لهم شرائع خاصة واستدل عليه بما استدل والمشهور إكفار من زعم ذلك‏.‏ وقد نص على إكفاره جمع من الفقهاء، وتخصيص الأنواع الثلاثة بالذكر ظاهر في أنه عليه السلام لم يسخر له الوحش‏.‏ وفي خبر أخرجه الحاكم عن محمد بن كعب ما هو ظاهر في تسخيره له عليه السلام أيضاً، وسنذكره قريباً إن شاء الله تعالى لكنه لا يعول عليه، وتقديم الجن للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه عليه السلام وعزة سلطانه من أول الأمر لما أن الجن طائفة عاتية وقبيلة طاغية ماردة بعيدة من الحشر والتسخير‏.‏ ولم يقدم الطير على الإنس مع أن تسخيرها أشق أيضاً وأدل على قوة الملك وعزة السلطان لئلا يفصل بين الجن والإنس المتقابلين والمشتركين في كثير من الأحكام‏.‏

وقيل في تقدم الجن‏:‏ إن مقام التسخير لا يخلو من تحقير وهو مناسب لهم وليس بشيء لأن التسخير للأنبياء عليهم السلام شرف لأنه في الحقيقة لله عز وجل الذي سخر كل شيء‏.‏ وإذا اعتبر في نفسه فالتعليل بذلك غير مناسب للمقام ويكفي هذا في عدم قبوله ‏{‏فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ أي يحبس أولهم ليلحق آخرهم فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة، ويجوز أن يكون ذلك لترتيب الصفوف كما هو المعتاد في العساكر والأول أولى وفيه مع الدلالة على الكثرة والإشعار بكمال مسارعتهم إلى السير الدلالة على أنهم كانوا مسوسين غير مهملين لا يتأذى أحد بهم‏.‏ وأصل الوزع الكف والمنع، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه‏:‏ ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن‏.‏ وقول الحسن لا لا بد للقاضي من وزعة، وقول الشاعر‏:‏

ومن لم يزعه لبه وحياؤه *** فليس له من شيب فوديه وازع

وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضاً لأن في ذلك شفقة على الطائفتين، أما الأوائل فمن جهة أن يستريحوا في الجملة بالوقوف عن السيرد وأما الأواخر فمن جهة أن لا يجهدوا أنفسهم بسرعة السير، وقيل‏:‏ إن ذلك لما أن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وأخرج الطبراني، والطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يحبس أولهم على آخرهم حتى تنام الطير والله تعالى أعلم بصحة الخبر‏.‏

والظاهر أن هذا الوزع إذا لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو، والأخبار في قصته عليه السلام كثيرة‏.‏

فقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏.‏ كان يوضع لسليمان ثلاثمائة ألف كرسي فيجلس مؤمني الإنس مما يليه ومؤمني الجن من ورائهم ثم يأمر الطير فتظله ثم يأمر الريح فتحمله فيمرون على السنبلة فلا يحركونها، وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال‏:‏ بلغنا أن سليمان عليه السلام كان معسكره مائة فرسخ خمسة وعشرون للإنس‏.‏ وخمسة وعشرون للجن‏.‏ وخمس وعشرون للوحش‏.‏ وخمسة وعشرون للطير وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير به‏.‏ وأوحى الله عز وجل إليه وهو يسير بين السماء والأرض إني قد زدتك في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح إليك وألقته في سمعك‏.‏ ويروى أن الجن نسجت له عليه السلام بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ ومنبره في وسطه من ذهب فيصعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فتقعد الأنبياء عليهم السلام على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين وتظله الطير بأجنحتها وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر‏.‏

وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد»‏.‏ وابن المنذر عن وهب بن منبه قال‏:‏ مر سليمان عليه السلام وهو في ملكه وقد حملته الريح على رجل حراث من بني إسرائيل فلما رآه قال‏:‏ سبحان الله لقد أوتي آل داود ملكاً فحملتها الريح فوضعتها في أذنه فقال‏:‏ ائتوني بالرجل قال‏:‏ ماذا قلت‏؟‏ فأخبره فقال سليمان‏:‏ إني خشيت عليك الفتنة لثواب سبحان الله عند الله يوم القيامة أعظم مما رأيت آل داود أوتوا فقال الحراث‏:‏ أذهب الله تعالى همك كما أذهبت همي‏.‏ وفي بعض الروايات أنه عليه السلام نزل ومشى إلى الحراث وقال‏:‏ إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ثم قال‏:‏ لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل داود، وأكثر الأخبار في هذا الشأن لا يعول عليها فعليك بالإيمان بما نطق به القرآن ودلت عليه الأخبار الصحيحة وإياك من الانتصار لما لا صحة له مما يذكره كثير من القصاص والمؤرخين مما فيه مبالغات شنيعة بمجرد أنها أمور ممكنة يصح تعلق قدرته عز وجل بها فتفتح بذلك باب السخرية بالدين والعياذ بالله تعالى، ولا يبعد أن يكون أكثر ما تضمن مثل ذلك من وضع الزنادقة يريدون به التنفير عن دين الإسلام‏.‏